وقفَ يتأمَّلُها في محطة القطار وهي على عجلةٍ من أمرها، لم تدرك وجودهُ في البداية،كانت منهمكة بحملِ حقائبها المُثقلة بالكتب،اقترب وبصوتٍ أشبه بوجع هدنةِ السلام بعد سنين الحرب قال:
-تحتاجينَ المساعدة سيدتي؟
نظَرَتْ إليهِ نظرةً خاطفة وأجابتْ:
-نعم نعم إن أمكَنْ.
كان عقلها مشغول بتلك الأمور التي خططَتْ لها منذ مُدة،وكأن القطار في فكرها لا بجانبها!
حملَ الحقائب معها وسار بجانبها ولم تُدركْ بَعد أنهُ هو!!
كان يلتزم الصمت مُبتسم،هو يعلم كيف تكون في تشتتها،كان يحتاجُ لسنين من السير بجانبها لالبضع دقائق،كان يحاول أن يستنشق هواءً دافئاً خرج للتو من بين شُعيرات أنفها
قال مقاطعاً فوضى أفكارها:يالها من كتبٍ كثيرة،لِمَ جلبتِها معك!
أجابَتْ بعد تنهيدة:
-حياةٌ خالية من كتبي لاحاجة لي بعيشها.
استدرَكَ قائلاً:
-معكِ حق،وحدها الكتب تفي ببقائها.
توقّفََتْ عن السير فجأة،مشى خطوتين بعدها ثم توقَفْ،لم يلتفتْ،كان ينتظر ردّة فعل،كلمة،حرف،صوت بعد كل تلك السنين..
تَقدَّمتْ بهدوء حتى أصبحت بمحاذاتهْ،نظرتْ في عينيه نظرات كُثُر،كانت تُنَقِّلُ عينيها بين عينيه،اليمنى فاليسرى،كانتْ تتقصّى ملامح وجهه،أفلتَتْ الحقائب ولم تكترث لكتبها التي سقطتْ على الأرض،كانَ ينظرُ لها نظرة حسرة،تارةً ينظر في عينيها وتارةً ينظر أرضاً،مدّتْ يدها وقالتْ:
-منذ متى تَذَرُ الحربُ لنا أحباباً!!
مدَّ يدهُ ليصافحها فسحبتْ يدها وقالتْ:
-لمْ أمدد يدي لمصافحتك، يدكَ لم تعدْ تليق بي هي تليقُ بقطارات البعد فقط،لقد صافحتُ حضورك،أنتَ بالنسبةِ لي في عدادِ الموتى! سحبتْ حقائبها من يدهْ وحملتْ حقائبها الملقاة على الأرض وهمّتْ بالرحيل، حين جثى على ركبتيهِ قائلاً:
-لو لم أذهب إلى تلكَ الحرب لكُنتِ وإيايَّ في غيابتِ الأسى، أعلمْ بأن رحيلي المفاجئ كانَ مؤلماً ولكن كنتُ مجبراً أقسم كنتُ مجبراً!
كانتْ تسمعهْ بحرقى تعتصرُ الفؤاد،وبعد ثلاث خطواتْ توقّفََتْ والدموع تورقُ في عينيها.
قالَ مستدركاً:
-يشهدُ الله بأني ماأتخدتُ بعدكِ يوماً سبباً لسعادتي ولكن؛هناك حيث اخترتُ البعد كان لهيب الجحيم يُحييني وانا أراكي بخير،أنتِ لاتعلمين ما معنى أن أُخيّرََ بين سعادتكِ ومأساتي وبين سعادتي ومأساتكْ،وحدي عشتُ في ظلمات الشوق،وحدي شربتُ جزاءً لذنبٍ ما اقترفته،ولكن بالرغم من كل هذا،كنتُ أُواسي نفسي واخبرها بأنكِ ستخلقين لي الأعذار وتنتظريني، أجيبيني أرجوكِ،هل لازلتُ أسكنكِ كما كُنتْ؟
التفتَتْ إليهِ،مسحتْ دموعها،تقدّمتْ نحوهْ،أحكمَتْ قبضةَ يدها ووضعتها في منتصف صدرها وقالتْ:
-أنتَ في داخلي أكثرُ مني.
#إسراء_الدالي