لولا الحرمان
رغم أنَّه يومٌ روتينيّ، إلَّا أنَّ الهدوء كان مريب.
راودني شعورٌ غريب، أفزعني لكن نسيت، بل تناسيّت.
علا صوت النداء فعلمت أنَّ ما ببالي صحيح، وأنَّ خطراً في الأرجاء قدْ حل.
أيعقل؟!
هل ما سمعته صحيح؟!
البرد ليس في أطرافي وحسب، وإنَّما في أعماقي انتشر.
قلبي يبكي، أمَّا عينيَّ فكانتا عاجزتان عن البكاء، من شدَّة السقيع الدمع قد تجمد.
صورتها لم تغب عن ناظري، حتى شعرتُ أنَّها نقشت في جفوني.
صوتها في أذني يعزف تراتيل حزينة، وضحكاتها النادرة لا زالت موجودةٌ في أرجاء المنزل.
لمَ حلَّ الهدوء في منزلكِ بغتةً، بعدما كانتْ منه ضحكات الأطفال تعلو؟!
كانوا يحبُّون إمضاء الوقت معك، فالأمُّ الروحيَّة الأحبُّ لقلوبهم أنتِ.
كنتِ بالحركة تتمتَّعين، والآن صرتِ جثةً هامدةً.
هجرتِ بيوت كلِّ الأحبَّة، لكنَّ ذكرك باقٍ ولن يزول.
أخبروني أنَّه لا يصحُ عناقكِ، لكنِّي أبيتُ، وعانقتكِ رغم الداء اللَّعين.
لعينٌ إذ أنَّه منَّي اختطفكِ، كلصٍّ لا يعرف الرحمة قط.
فلنعذره أجمعين، لربما كان بحاجةٍ لحنونٍ يعتني به، يطعمه ويسقيه، ومن الأخطار يحميه.
وأنتِ للحنان عنوان، وبالحماية خيرُ مثال.
عندما عانقتكِ بدأ الدمع مع عيني يسيل، كنهرٍ جارٍ يأبى النضوب.
شعرتُ بدفءٍ كبير، أذاب ثلوج الدمع في عيني، وبقلبي زاد الألم.
لمَ لا تشدِّين على يدي؟!
أجعلكِ المرض قاسيةً، وأخرج من قلبكِ حبَّ الجميع؟!
كثرتْ الأيادي التي تبعدني عنكِ فأخبريهم، أن يتركوني فأنا أشعر بالأمان هنا.
كيف قبلوا أن يتحضنكِ التراب وأنا لم يسمحوا لي بذلك؟!
أهو مني أفضل؟!
أخبريني يا أمَّاه، أين العدل في هذه الحياة؟!
مضتْ أيامٌ ولم تعودي بعد، وفي كلِّ يومٍ يزداد في قلبي الحنين.
تزورني الكوابيس كلَّ ليلة، ألن تعودي لتحضري لي كأسٍ من الماء، وبيدكِ تعيدي لقلبي الأمان؟!
أفتقد لسماع صوتك ينطق بتلك الدعوات الرقيقة التي كنتِ في بطنِ الليل ترسلينها للّٰه.
أفتقدتُ لأن تربتي على يدي، وتضعي الغطاء بكلٍّ رفق على جسدي.
أحنُّ لألمس كلتا يديكِ وأقبِّلها معتذرةً عن إهمالي.
أشتاق لنظرةٍ تخبريني فيها أنِّي ابنتكِ المفضلة.
قلبي يتذكَّر لحظات غفوتي بجانبك، فكيف لي أن أجاوركِ الآن، بعدما أحاطكِ كفنٌ ثخين؟!
لم يحبُّوك كما أحببتكِ؛ فقد رموكِ وحيدةً في قبر مظلم.
واظبت على إطعام الزائر اليومي، قطكِ الذي بـالمشاكس كنتِ تناديه.
وعندما ينادي الشيخ بـ" حيَّ على الصلاة" أضعُ سجادتي بجانب سجادتك وأنوي الصلاة.
وفي خيالي أنتِ إلى جانبي تصلِّي.
على مائدة الطعام طبقكِ لا زال موجود، وكأس الشاي أَعدُّه يومياً كما تحبيه بلا سكر، علَّكِ تأتي فيكون الطعام لتأكليه مهيأ.
زارني بغيابك الجميع، الحنين والفقد والألم والأنين.
ألم تعلمينا أنَّه لا يصح الكذب؟!
الجميع يقولون أنَّني وحيدة، أخبريهم أنَّك معي.
أنتِ معي، تريني لكنِّي لا أراكِ، أليس كذلك؟!
لا تخافي يا أمَّاه!
أنا بحالٍ جيد رغم الهالات التي أحاطت عيني، والنُّحل الذي بجسدي فتكَ واحتل.
رغم مرضي الذي اعتاد بقربك أن يزول، والبرد الذي في حضنك يتلاشى ويضمحل.
لا تخافي، فكلَّ ما أحتاجه هو لقياكِ.
أنا بخيرٍ لولا الحرمان.
نورا بسام الحوري
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق