سيد الرجال
كلُّ شيءٍ يمكن شراؤه إلّا شعور بأنَّ هُناك رجلٌ خلفكَ، فهذا يَنبعُ من بئرِ الرِّجالِ الحَقيقيّين، اللذينَ يُمارِسونَ شُعورِ الأبوة على منْ فقدَهُ، مثلَ هذا الشُّعور اعتدْتُه مع جدِّي، وليسَ غَريبًا عَليهِ لأنَّهُ منْ عائِلتي، لكن أن يُصادِفنِي شخصٌ لا تجمَعني وإياه صلةُ الدَّم يُشعرنِي بما لا يستطيعُ بهِ أقاربي، ألفظُ اسمهُ، ومنْ غير إدراكٍ أُخبرُ النَّاس جميعًا بأنَّهُ الرَّجل الخارِق، أنَّهُ مِثالٌ لرجلٍ تَبحثُ عنهُ كلَّ فَتاةٍ ليكونَ سندًا لها، وهو كالجَوهَرة في قاع المُحيط.
عليكَ الغَوصُ في ظُلماتِه لتَجدهُ فيُنيرُ لكَ حياتكَ، هَذا ما كنتُ أعيشُهُ قبْلَ إيجَادي لهُ.
ستُّ سنواتٍ بقيتُ في حالةِ انكسارٍ على فُقدانِ سَندي جدّي الحنون، حتّى جاءَ لينْتشِلني مِما أنا فِيه. قابلْتُه أوَّل مرَّةٍ وأُغرِمتُ بعَينَيهِ الحَانيتانِ منذُ النَّظرةِ الأولى. شَخصٌ مُتواضِعٌ، وسِيمٌ، رائِعٌ في غايةِ الجمالِ والرَّوعة، إنَّه ليس حَبيبًا، بل أبًا وسَندًا لأرواحِنَا، أرْسلهُ اللّٰه لِي ولعَائِلتِي ليُخرِجنا مِما كنّا فيه.
جاءَ ليُعيدَ أرواحَنا بعدَمَا سلبَتْها قوَّةُ الحَياة.
العملُ المُشتركُ بينَنا كانَ سببَ دُخولِه لعَالمِي، رُبما عليَّ أنْ أَشْكرَ ذلكَ العَمل؛ لأنَّه عرَّفَنا بِه، أعادَ لنَا شغفَنا بالحَياة بِروحهِ، أذَاقنَا معنَى الأُبوة الّذي لم نعرِفهُ إلَّا كلامًا، بمُعامَلتِه اللَّطيفةِ استطَاعَ سَرقةَ قُلوبِنا بصِفاتِه الحَسنة، كَرمهُ كالبَحرِ يُعطِي دونَ أنْ يُفكِّر بمُقابل للعَطاء، حَنانُه يَملَأ كلَّ شيءٍ ،أمَّا ذكاءُه لا يستَطيعَ أحدًا التَّغلُّب علَيهِ، يَفوزُ بالنِّقاشَات بأُسلُوبِه الفطِن، حتَّى أنَّ أعدَاءَهُ فِي بعضِ الأوقَات يُعجَبُونَ بِطريقَة تفْكِيره، حَاول بعْضُ النَّاسٍ تقْليدَه في أسلُوبِه بالتَّعامُل لكنَّهم فَشِلوا بذَلِك، غضَبُه موجٌ سُرعَانَ ما يهدأ لا يُؤذِي أحدًا بغَضبِه ولا يَجرَح أحدًا بِكلامِه مثلَ ذَلكَ الرَّجل.
لا يَنبَغي أنْ يَبقى حَبيسًا بينَ الأورَاق، يَجبُ أنْ نَتحدَّث عنهُ لكلِّ النَّاس، بالرُّغم منْ ذلكَ، إنَّ جَدّي لا يزال مثالًا للرَّجُل النَّبيلِ لذلكَ عليَّ أنْ أُشبّهَ بهِ دَائمًا مع اختِلافٍ بَسِيط، هو أنَّ ذاك الرَّجلَ يَأخُذ حقَّه بيدِهِ، طيبُ القَلبِ لَكن عِند حقِّه لا يسكُت.
إذا اقتَربَ أحدٌ من عائلَتهِ فإنَّهُ كالسَّيف يَقطعُ كلَّ رُؤوسِ الأعدَاء، أمَّا جَدّي فَطِيبةُ قَلبِه الزَّائدةُ تُوقعنَا بِمشاكِل كَثيرةً، معَ ذلك أُحبُّ قلبَ جَدّي الصَّافي كَثيرًا.
اتفقتُ معَهُ على بِدايةٍ جَديدةٍ عَرفتُ فِيها معنَى الأبَ السَّندَ والصَّدِيق، عوضَني عن جَدّي وأبي، لم يُشعرنَا يومًا بأنَّهُ غَريبٌ عنَّا، شعرتُ فِعلًا وكأنِّي ابنتهُ من لَحمهِ ودمهِ، يُحقِّقُ لي أُمنياتِي بدون أنْ أُصرِّح أو أَطلُب منّه ذلك بِشكلٍ صريح، يُساعدُني في حلِّ كلِّ مَشاكِلي، أنتَظرُ قُدومَه كلَّ يومٍ، أَسعَد بسَماعِ صَوتهِ؛ لأنَّ يَومي يَبدأُ عندما أرَاه، أنَّه سَندِي في الحَياة. ليسَ كلَّ الرِّجَال سَيئِين كما في أغلَب الرِّويَات، بل هُناكَ نمَاذجٌ إيجابيّةٌ عن الرِّجال الجَيدِين، ومِنهم ذلكَ الرَّجل الّذِي أَطلَقتُ علَيه لقبَ "سيّد الرِّجال".
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق