حَانة أَزَلِيّة
أجْمَعَ الأَطِبَّاءُ رغم تَمَاثُلِه بالشِفَاء
على إِصَابَتِه بالتوحد وَ يا لَهُ مِن دَاء
على الرُغمِ مِن تَجاوزِه الخمْسَة عشرَ عَاماً
باتَ الجَمِيعُ مُتعجِّباً حَيراناً
يَشتَكونَ فَشلَ الكَوادرِ الطِّبّية
بَينما كُلّ فَردٍ يُحَلِّقُ في أرَجاءِ الغُرفةِ المَنسيّة
وَ كُلُّ واحدٍ يَتنمَّقُ بآراءٍ مُزريةٍ و تُرهاتٍ وَحشيّة
جالسٌ هو بِصمتٍ يُلقي بِناظِرَيه بَينَ هَذا و ذَاك.
وَ بِدونِ أَلفاظٍ لِمسمعي إِتَّسَمَت بالأُنسيّة
حَزَم نَفْسهُ و بَقَاياهُ مِن كَلامٍ وَ سُكونٍ
دَخَلَ غُرفَتَهُ وَ هو مَحزون
نَصَحَه الأَطِبَّاء بِمُوَاظَبَة مَكانٍ مَسْكُون
لكِنْ جُدارنُ رُدْهَته هي الأُمُّ الحَنُون
تَحتضِنُ زلَّاتِه و تُطَبطِبُ على جُسْمانهِ المَوهُون
صَدَى صُراخِه يَرتَدُّ لِمَسمَعِكَ لو تَحسَّستَها بِبَصيرتكَ
شَتَّان بينَ جِدارٍ يُحفَر بالخَيباتِ
و آخرٌ يَتراقصُ بأحلامٍ و إنجَازات
يَفرُّ هارِباً مِن حَانةٍ مَنزلِيَّةٍ
أَثمَلَت رُوحَهُ بِبقايا تَوحدٍ أَزَلِيّةٍ
كَيفَ لِجِراحِهِ أنْ تُطَهَّرَ!
أَ بِذاتِ البُؤرَة الشَّرسَة؟
تِلكَ الأيَّام تَتوالى
و صَيحاتهُ تتعالى
و تَكَّاتُ السَّاعةِ تَطرقُ مَسامِعَه
مُذكِّرةً إيَّاهُ بالأمورِ المُعصِيَة
إلى حِين اكتمَلَت لوحَتهُ الفنِّيَّة
و أَرضية الغُرفة المَنسيّة
الوِسادةُ تَعتصرُ دَمعاً لسوادِ الليالِ
و دُمْيةُ الأَسرارِ تَوقَفَ قَلبُها لِساعاتٍ طِوالِ
دَفترُ مُذكّراتِه اِبتلَّ دَمعاً لِنهاية سطورٍ سِجالِ
مُدوَّنةُ هاتِفِه انفَجَرَت بِصبرٍ بَالٍ
أصابعُه جذِمَةٌ وسط جُدرانٍ تَعجُ زِحاماً
اِستدارَ و تُراهُ تَذكرَ نُقصاً جَسِيماً
ها هو يُحدِّقُ بِذاكَ الحَبلِ مَهْزُوماً
مُتذكِّراً أَباهُ في يَومٍ قائِلاً: اِترُكه في غُرفَتِكَ يا بُنيَّ، ليسَ بِخيطانٍ مُهترئَةٍ سنَحتاجُه حَتمَاً.
ذاكَ الحَبلُ كان آخِر اللمسات
و لَبَّى ذاكَ الحبلُ نِداءَ الصَرَخات
أَرادَ أن يَتركَ أَثرَهُ في كُلِّ بُقعةٍ في الأرجاء
اِنهَارت أَعِمدةُ تُحَفِه ثُكلى
و ذاكَ الحَبلُ المُتأرجحُ بدأ يَبلى
صَداهُ يتَخَبطُ بَينَ الثنايا
و ذِكرَه مُوصَدٌ إِسْتَوْطَنَ الزاويا.
آ ية علي البيرق
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق