جُندي في الحرب
أبلغُ من العمُر ثلاثُ وعشرون يوماً قهراً وشقى
لستُ بطويل القامة وإنما طولي مناسب لحجمي
بشرتي سمراء من الشمس الحارقة وأما عن عيوني التي كانت براقة وأصبحت بِلون أكحل الليل وأما عن عتمة الغيوم تحت جفوني فهذه حِكاية لا أستطيع تلخيصها بصفحةٍ ورقية إلى يومٍ فاضت به عينيٍ بالدمع وهام قلبي بالحسرة فقررت أن أوثق وأكتب مُلخص حياتي إلى أن أصبحتُ جُندي على خطوطِ الجبهة
حسناً
في البداية كنت شاباً جداً وسيم ، و ذا حضور مميز وسُمعة أحمدُ الله عليها ، أعمل لدى شركة دوام ليليّ
وبالطبع أنا كشاب والده في صفوف الجيش كُنت الراعي الأول عن ربعهِ كانت أول مسؤولية في سن مُبكر ونجحت في هذا الاختبار بالرغم من المنغصات والنكبات وقلة العيش استطعتُ تكوين وإبقاء ربعيّ على قيد الحياة دون مدّ يد العون للغريب.
إلى أن جاءني بلاغ من الفرقة للالتحاق بصفوف الجيش العربي السوري
انصعقت ، واندهشت لسببين الأول كيف سأترك عائلتي بعد أن كُنت المعين لهم ، والسبب الثاني أن الوطن ناداني فوجب عليّ تلبية النداء .
حقاً إنه امتحان صعب كالذي يختار بين إجابتين إحداهما صحيحة والثانية أصح.
بدأتُ أوضِب أشيائي وفي قلبي حسرة لأنني لم أعتد على فراق حِضن أمي والأفكار تدور بدوامة كبيرة بعقلي
في ليلة وضُحاها لبيتُ نِداء الوطن تركتُ أهلي تحت رعاية الله عزوجل وديعة عند من لا تضيع عندهُ الودائع.
بدأت مسيرتي في صفوف الجيش وكُلي رهبة وقوة في آن واحد لما سألقاه هناك لكن كنت دائماً مُتسلح بِرضا الله عزوجل و رضا والديِّ
اليوم الثاني:استكملتُ دروسي وتم فرزي إلى النُقطة التي سأمكثُ فيها وفي هذه اللحظات بقيتُ مسلوب القلب مثبت العقل لأنني في مُهمة العمل فيها بالعقل لا القلب
ولا أنكر أنها كانت من الأيام الأكثر برودة جاء النقيب المسؤول عن العناصر وقف وقام باستدعاء بعض العناصر إلى أن وصل لأسمي
وقال:أنتم تم اختياركم من نُخبة أفضل العناصر لتأدية واجِبكم الوطني
هيأتُ نفسي ، قمت بإجراء اتصال مع والديّ وطلبت منه الدعاء والرضا لا أستطيع أن أنسى صوت بكاء أمي وإخوتي والدعوات الممزوجة بالدمع والشوق و كلمات القوة والثبات، أنهيتُ الحديث معهم واتصلتُ برفيقة دربيّ، فتاة أحلامي ، مٌلهمتي الأولى ،سند الثابت والمُشجع لي في كل أزمة حصلت لي ، أخبرتُها بما جرى ، في البداية شعرت بغصة داخل قلبي شعرت كم آذى قلبها الخبر ، وقالت بِكل قوة وآمان لا تقلق ستعود وتنتصر بعون الله مهما لاقيتَ من ضربات ستنجو ستنجو تسلح بالإرادة والقوة وكُن أهلاً للوعد بالنصر لِبلدك أولاً ، ومن ثم لرفيقة دربك....عُد وأنت حاملا النصر.
لحظات وانطلقنا إلى المنطقة التي ستقوم المعارك فيها
يؤسفني الحديث عما جرى فكُلنا نعرف مايجول ضمن آيّ معركة ، يعتصر قلبي عندما أتذكر لحظات أنني رأيتُ الموت في عينيّ وأشلاء أصدقائي أمامِي، وعن شعور الحزن والنصر في آن واحد أكبر ذنب حينها أن نحزن ونشعر بالعجز بينما العدوّ أمامنا موقف مُبكي عناصرنا ضحايا مغطاة بدماء كما لو أن الأرض ارتوت من أطهر دماء الحمدلله كانت نهاية لصالحنا انتصرنا ناهيكم عن أيام أخذت من شبابِنا الصحة وعن البرد الذي تجمد داخل خلايا أجسادنا وعن حُرمان اللقمة في وقتٍ بجب أن نكون أقوى من البرد أن نكمل رغماً من أننا مبللين من المطر
حتماً الجندي تمر عليه أيام أصعب من أن يقُصها علينا لِتبقى مُخلدة في ذاكرة العقل لتترك أثراً على جسد كُل بطل مُحارب مُكافح باسم وطنهِ وباسم النصر لأرضه
فهم من غسق الدُجى أتوا، ومن نور الشمس اشتعلوا قوة ومهما تكلمت وكتبت لن أعطي جُندي واحد حقه في ما ذاقه من ويلات الحرب
وأنين الدمعات وحسرات القلب، ولوعة الفراق .
2021/2/3
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق