الاثنين، 5 يوليو 2021

ضحايا حرب..بقلم: حنين الحسن

 ضحايا حرب

لم تكُن يوماً قضيُّتنا قضية وطنٍ سُلِب بقدر ما كانت قضيّة إنسانية بيدت...إنّها البداية فحسب...بداية الجهل والمرض والمجاعات..إنّها بداية الصّراعات الأبديّة التي لن تزول إلا بزوالنا...ضحايا كُثُر رزخوا تحت قسوة هذا الواقع المرير ولكنَّ المُستنزَفين الوحيدين..أصحاب القوى الخائرة هُم أولئك الّذين سُلبوا أمان البيوت..ودفء العائلة..وطِيب العيش..وهناءة اللُّقمة..الذين انبروا يبحثون عن ملجأ يقيهم برد الشّتاء وحرّ الصّيف..عن كسرة خُبزٍ تُسكِتُ قرقرة معداتهم الجَوعى...عن كِسوةٍ تستُر حروقَ أجسادِهم المهشَّمة..أُصيبوا بالسَّرطان الذي نهش عمق نقيّ عظام المجتمع المتكسّرة أوصالُه في ظلّ رنين رصاصات الحرب الفتّاكة ؛يتلذذ برائحة نفايات الموت الحيّ على قيد الحياة في حين أنه لو كان رجلا لقتله الفاروق منذ عصر البعثة المحمدية كي لا يفتك ب عرض كرامات القوم يوماً ما 

على أرصفةِ الشوارع المُعبّدة زُجتّ ضحايا الفقر البليد ،عابثاً بعناوين النّاس التائهة ؛ يُجلسُهم في العراء وقد أخذ منهم عناءَ الدّهر ما أخذ..واندثرت عبراتُهُم تتأرجح على تجاعيدِ وجوههم المتهالكة..

خطوط الكفوف الممدودة تنشُدُ العون..تروي قصّةَ تاريخٍ مؤجَّجٍ بالخيبات.

لم يستوصِ أحدٌ بهم خيراً..فانصرفوا يلتمسون زُجاج المحلّات...يبتسمون للملكان الذي يقف أياماً على الواجهات البلّوريّة راجياً من يحنو عليه ويعفيه تعبَ الوقوف..إذ أنَّ لا أحداً سواه يبادلهم ابتسماتهم المُنهكة.  ولكن لابأس في أنّه يرتدي زيّاً لطالما حلموا في ابتياعِه لأنفسهم يوماً.

 على حوافّ المطاعم..مُبعثرون كرمادٍ اشتدّت به الرّيح في يومٍ عاصف..تائهون كالجمال الهائمة تمشي مُكبّة على وجهها في صحراء جدباء..يبحلقون في أسياخ الدّجاج المشوي..ويزدرقون لعابهم بين الفينة والأخرى خشية أن يسيل فيفضح كينونةِ نفسٍ عزيزة..علّ من بداخل هذا الفناء الواسع يزجّون إليهم بالقليل من الطعام الطازج ، ولكنَّ شبح الانتظار سُرعان ما يتلاشى ليعودوا إلى واقعٍ يُرمى فيه العظم لكلبٍ بوليسيّ ثمين ولا تُعطى فيه كسرة خبز لفقير ٍ جائع.

 حان وقتُ الغداء ويبدأ بعدها سباقُ الماراثون إلى الحاويات لينشب الصّراع من أجل البقاء وتبدأ عمليّة البحث عن عُلبٍ فارغةٍ جديدة تحوي فُتات ما أُكل

ولا يشغلُ ما قيل سوى  حيّزاً بسيطاً من المعاناة..إذ أنَّ فرداً واحداً يتملّص من بين قضبانٍ حديديّة رفيعةٍ خيرٌ من عائلة تقبعُ خلفَ هذه القضبان..لاسبيل لها للخروج وَلو بشقِّ الأنفُس.

هذا ما خلّفتهُ صراعات الأرض والذي يُدمي قلوبَ مَن بداخلهم ذرّة خردلٍ من إنسانيّة ، وإيقاظُ الضميرِ النّائم في جوف كلّ منّا هو واجبٌ تُمليه علينا عقيدتنا فلا مردّ لسيف الفقر إذا استُلّ غير حصاد مَن نالت منهم أيادي هذه الحروب الدامية. 



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ماسة بطمان تكتب

كلّنا نغرق... نغرق في ظلمتنا...وحدتنا...قهرنا نظنّ أنّنا ننجو من موتنا... لكن واقعنا لا زال يلاحقنا... مُتعبون نحن حدّ الثمالة... فالسّلام ع...